أحمد زكي صفوت
389
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
الشهادة مع النبي صلّى اللّه عليه وآله غير مرّة ، إلا أن آجالهم عجّلت ، ومنيّته أجّلت ، واللّه ولىّ الإحسان إليهم ، والمنّة عليهم ، بما أسلفوا من أمر الصالحات ، فما سمعت بأحد ولا رأيته هو أنصح في طاعة اللّه ورسوله ، ولا أصبر على الّلأواء « 1 » ، والسّرّاء والضّرّاء ، وحين البأس ، ومواطن المكروه مع النبي صلى اللّه عليه وآله ، من هؤلاء البّفر الذين سمّيت لك ، وفي المهاجرين خير كثير يعرّف ، جزاهم اللّه خيرا بأحسن أعمالهم . فيا عجبا للدهر ! إذ صرت يقرن بي من لم يسع بقدمى ، ولم تكن له كسابقتى التي لا يدلى أحد بمثلها ، إلّا أن يدّعى مدّع ما لا أعرفه ، ولا أظنّ اللّه يعرفه ، والحمد للّه على كل حال . وذكرت حسدى الخلفاء وإبطائى عنهم وبغيى عليهم ، فأما البغى فمعاذ اللّه أن يكون ، وأما الإبطاء عنهم والكراهية لأمرهم فلست أعتذر إلى الناس من ذلك ، إن اللّه تعالى ذكره لما قبض نبيه صلى اللّه عليه وآله ، قالت قريش : منا أمير . وقالت الأنصار : منا أمير ، فقالت قريش : منا محمد ، فنحن أحقّ بالأمر ، فعرفت ذلك الأنصار ، فسلّمت لهم الولاية والسلطان ، فإذا استحقوها بمحمد صلى اللّه عليه وآله دون الأنصار ، فإن أولى الناس بمحمد أحقّ به منهم ، وإلّا فإن الأنصار أعظم العرب فيها نصيبا ، فلا أدرى : أصحابي سلموا من أن يكونوا حقّى أخذوا ، أو الأنصار ظلموا ؟ بل عرفت أن حقي هو المأخوذ ، وقد تركته لهم ، تجاوز اللّه عنهم . وأما ما ذكرت من أمر عثمان ، وقطيعتى رحمه ، وتأليبى عليه ، فإن عثمان عمل ما قد بلغك ، فصنع الناس به ما رأيت ، وإنك لتعلم أنى قد كنت في عزلة عنه ، إلا أن تتجنّى ، فتجنّ ما بدا لك . وأما ما ذكرت من أمر قتلة عثمان ، فإني نظرت في هذا الأمر ، وضربت أنفه وعينه « 2 » ، فلم أره يسعني دفعهم إليك ولا إلى غيرك ، ولعمري
--> ( 1 ) اللأواء : الشدة . ( 2 ) جاء في الأمثال « ضرب وجه الأمر وعينه » وهو مثل يضرب لمن يداور الشؤون وبقلبها ظهر البطن من حسن التدبير .